ابن قيم الجوزية

106

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

الكاذب أنه إن بعث ، كان له عند اللّه الحسنى ، فلم يدع هذا للجهل والغرور موضعا . فصل وفي قوله تعالى وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ ( 23 ) [ الجاثية ] قول آخر أنه على علم الضال ، كما قيل : على علم منه أن معبوده لا ينفع ولا يضر ، فيكون المعنى : أضله اللّه مع علمه الّذي تقوم به عليه الحجة ، لم يضله على جهل وعدم علم ، هذا يشبه قوله فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 22 ) [ البقرة ] وقوله فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ( 38 ) [ العنكبوت ] وقوله وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ( 14 ) [ النمل ] وقوله وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها ( 59 ) [ الإسراء ] وقول موسى لفرعون لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ ( 102 ) [ الإسراء ] وقوله تعالى الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 146 ) [ البقرة ] وقوله فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 33 ) [ الأنعام ] وقوله وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ ( 115 ) [ التوبة ] ونظائره كثيرة . وعلى هذا التقدير فهو ضال عن سلوك طريق رشده ، وهو يراها عيانا كما في الحديث « أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم ، لم ينفعه اللّه بعلمه » فإن الضال عن الطريق قد يكون متبعا لهواه ، عالما بأن الرشد والهدى في خلاف ما يعمل . ولما كان الهدى هو معرفة الحق والعمل به ، كان له ضدان : الجهل ،